الشيخ محمد رشيد رضا
526
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما هو الهدى والرشاد في نفسه لا يتبعوكم ، فلا هم ينفعونكم ولا هم ينتفعون منكم أو المعنى وان تدعوهم إلى إفادتكم لا يستجيبون لكم سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ أي مستو عندكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم ، ولعله لم يقل : صمتم ، أو تصمتون ، لأن إشراكهم بهم كان قد وهن بحيث لم يكونوا يدعونهم عند الاضطرار وكوارث الخطوب بل يدعون اللّه وحده ، وانما كانوا يتحدثون بتقاليدهم الوثنية فيهم والرجاء بشفاعتهم في أوقات الرخاء ، التي لا يشعر فيها الانسان بالحاجة إلى الدعاء ( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) ومنه الدعاء بالولد الصالح عند قرب وضع الحامل ، والشرك بعد وجود الولد الصالح ، فالتعبير بالوصف « صامتون » لإفادة كون إحداث الدعاء واستصحاب الحال الثابتة قبله واستمرارها سواء ، وهي تصدق ينفي شعورهم بالحاجة إلى دعائهم وعدم خطورهم بالبال عند الشدائد ، والشعور بحاجة المخلوق إلى الرب الخالق ، ولو قال : « أم صمتم » أو « أم أنتم تصمتون » لما كانت المقابلة بين وجود وعدم ، وايجاب وسلب ، لأنه يصدق بتكلف الصمت وكف النفس عن دعائهم ولو للتجربة مع الشعور بالحاجة إلى الدعاء . والأول أبلغ في المراد من كون وجود هذه الأصنام وعدمها سواء ، ومن كون دعائها مساويا لترك الدعاء ، ولو مع انصراف القلب عنها ، ولو كانت وسائل تشفع عند اللّه وتقرب اليه زلفى كما كان يقول أولو الوثنية الكاسية الحالية ، أو تنفع وتضر بنفسها أو بما أعطاها اللّه تعالى من التصرف في الكون باستقلالها كما يعتقد أصحاب الوثنية العارية العاطلة - لكان الاعراض عن دعائها ضارا بهم ، أو مضيعا بعض المنافع عليهم وقد يظن من أشرك بعض الأولياء مع اللّه تعالى هذا النوع من الاشراك ان هذا التوبيخ لا يوجه إليهم ، وان هذه الحجة لا تقوم عليهم ، لان أولئك كانوا يدعون جمادا أو شجرا لا يعقل ، وهم يدعون أولياء وصلحاء ، لأمواتهم حكم الشهداء في الحياة ، وهم يقصدون قبورهم ويعظمونها ، لان لأرواحهم اتصالا بها ، وانما جاءت هذه التفرقة من جهنهم بأن أكثر هذه الأصنام لم تنصب إلا للتذكير بأناس من الأولياء الصالحين كما رواه البخاري عن ابن عباس في أصنام قوم نوح التي انتقلت